محمد أبو زهرة
21
زهرة التفاسير
تمهيد كان أحب إلىّ منذ كنت طالبا علم القرآن ، ودراسة هذا الكتاب العظيم في بيانه المعجز الذي تحدى العرب أن يأتوا بمثله فعجزوا ، وتحدى الخليقة إلى اليوم فلن يستطيعوا أن يأتوا بمثله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء ] . وهو يتحدى الفكر الإنسانى ببلاغته ، ومعانيه ، وقصصه ، وشريعته ، وتوجيهه الأنظار إلى الكون بما فيه من ذكر السماوات والأرض ، وخلق الإنسان ، واختلاف ألوانه وألسنته ، والنفس الإنسانية في خواطرها ، وما يعليها ، وما يدسّيها ، وسيطرة الخالق على ما خلق ، له الملك في السماوات الأرض وهو على كل شئ قدير . كنت طالبا بالأزهر ثم بمدرسة القضاء الشرعي ، وكنت أميل إلى علم تفسير القرآن ؛ يصغى قلبي إليه ، ويصبو فكرى نحوه ، وذلك من بين علوم الإسلام وعلوم الحياة المختلفة التي كانت تدرس ، فكان لكل علم ناحية في نفسي ، أما علم القرآن فكان قلبي كله له . ولما تخرجت في هذه المدرسة كان حب القرآن وعلوم القرآن مختلطا بنفسي ، ومن حسن المصادفات الموفقة أن يكون أول درس ألقيه ، بعد أن شددت في العلم ، هو القرآن . لقد علمت أنى عينت مدرسا بتجهيزية دار العلوم والقضاء الشرعي في يوم 10 من أكتوبر سنة 1927 ، فلما ذهبت لأتسلم العمل في ذلك اليوم ، سلمني شيخنا العارف بالله المرحوم الأستاذ حسن منصور الذي كان وكيلا لمدرسة القضاء الشرعي ، وأستاذ التفسير بها - سلمني الجدول ، وكله في مادة التفسير ، في السنة